فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الخازن:

{قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا}
نزلت في الجد بن قيس المنافق وذلك أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عنه وقال أنا أعطيكم مالي فأنزل الله ردًا عليه قل أي قل يا محمد لهذا المنافق وأمثاله في النفاق أنفقوا طوعًا أو كرهًا يعني أنفقوا طائعين من قبل أنفسكم أو مكرهين بالإنفاق بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق {لن يتقبل منكم} لأن هذا الإنفاق إنما وقع لغير الله وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي عامة في حل كل من أنفق ماله لغير وجه الله بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه ثم علل بسبب منع القبول بقوله: {إنكم} أي لأنكم {كنتم قومًا فاسقين} والمراد بالفسق هنا الكفر ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله}. اهـ.

.قال أبو حيان:

{قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم إنكم كنتم قومًا فاسقين}
قرأ الأعمش وابن وثاب: كرهًا بضم الكاف، ويعني: في سبيل الله ووجوه البر.
قيل: وهو أمر ومعناه التهديد والتوبيخ.
وقال الزمخشري: هو أمر في معنى الخبر كقوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدًا} ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعًا أو كرهًا.
ونحوه قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} وقوله:
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة

أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت انتهى.
وعن بعضهم غير هذا بأن معناه الجزاء والشرط أي: إنْ تتفقوا طوعًا أو كرهًا لم يتقبل منك، وذكر الآية وبيت كثير على هذا المعنى.
قال ابن عطية: أنفقوا أمر في ضمنه جزاء، وهذا مستمر في كل أمر معه جزاء، والتقدير: إنْ تنفقوا لن نتقبل منكم.
وأما إذا عرى الأمر من الجواب فليس يصحبه تضمن الشرط انتهى.
ويقدح في هذا التخريج أنّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط كان الجواب كجواب الشرط، فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب فلن يتقبل بالفاء، لأنّ لن لا تقع جوابًا للشرط إلا بالفاء، فكذلك ما ضمن معناه.
ألا ترى جزمه الجواب في مثل اقصد زيدًا يحسن إليك، وانتصب طوعًا أو كرهًا على الحال، والطوع أن يكون من غير إلزام الله ورسوله، والكره إلزام ذلك.
وسمَّى الإلزام كراهًا لأنهم منافقون، فصار الإلزام شاقًا عليهم كالإكراه.
أو يكون من غير إلزام من رؤسائكم، أو إلزام منهم لأنهم كانوا يحملونهم على الإنفاق لما يرون فيه من المصلحة.
والجمهور على أنّ هذه نزلت بسبب الجد بن قيس حين استأذن في القعود وقال: هذا مالي أعينك به.
وقال ابن عباس: فيكون من إطلاق الجمع على الواحد أوله ولمن فعل فعله.
فقد نقل البيهقي وغيره من الأئمة أنهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلًا، استثنى منهم الثلاثة الذين خلفوا وأهلك الباقون، ونفى التقبل إما كون الرسول لم يقبله منهم ورده، وإما كون الله لا يثيب عليه، وعلل انتفاء التقبل بالفسق.
قال الزمخشري: وهو التمرد والعتو، والأولى أن يحمل على الكفر.
قال أبو عبد الله الرازي: هذه إشارة إلى أنّ عدم القبول معلل بكونهم فاسقين، فدلَّ على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى.
وأكد الجبائي ذلك بدليله المشهور في هذه المسألة، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين، والجمع بينهما محال.
فكان الجمعُ بين استحقاقهما محالًا، وقد أزال الله هذه الشبهة بقوله: {وما منعهم} الآية وأن تصريح هذا اللفظ لا يؤثر في القول إلا الكفر.
ودل ذلك على أن مطلق الفسق لا يحبط الطاعات، فنفى تعالى أنّ عدم القبول ليس معللًا بعموم كونه فسقًا، بل بخصوص وصفه وهو كون ذلك الفسق كفرًا، فثبت أنّ استدلال الجبائي باطل انتهى.
وفيه بعض تلخيص. اهـ.

.قال أبو السعود:

{قُلْ أَنفِقُواْ}
أموالَكم في سبيل الله: {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} مصدران وقعا موقعَ الفاعل أي طائعين أو كارهين وهو أمرٌ في معنى الخبر كقوله تعالى: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} والمعنى أنفقتم طوعًا أو كرهًا {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} ونظمُ الكلامِ في سلك الأمرِ للمبالغة في بيان تساوي الأمرين في عدم القَبولِ كأنهم أُمروا بأن يمتحنوا الحال فينفقوا على الحالين فينظروا هل يُتقبّل منهم فيشاهدوا عدمَ القبولِ وهو جوابُ قولِ جدِّ بنِ قيس: ولكن أُعينك بمالي، ونفيُ التقبُّلِ يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذِ منهم وأن يكون بمعنى عدمِ الإثابةِ عليه وقوله عز وجل: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فاسقين} أي عانين متمرّدين تعليلٌ لرد إنقاقِهم. اهـ.

.قال الألوسي:

{قُلْ أَنْفقُواْ} أموالكم في مصالح الغزاة {طَوْعًا أوْ كَرْهًا} أموالكم في مصالح الغزاة {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} أي طائعين أو كارهين، فهما مصدران وقعا موقع الحال وصيغة {أَنفَقُواْ} وإن كانت للأمر إلا أن المراد به الخبر، وكثيرًا ما يستعمل الأمر بمعنى الخبر كعكسه، ومنه قول كثير عزة:
أسيئى بنا أو أحسني لا ملومة ** لدينا ولا مقيلة ان تقلت

وهو كما قال الفراء والزجاج في معنى الشرط أي إن أنفقتم على أي حال فـ {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}.
وأخرج الكلام مخرج الأمر للمبالغة في تساوي الأمرين في عدم القبول، كأنهم أمروا أن يجربوا فينفقوا في الحالين فينظروا هل يتقبل منهم فيشاهدوا عدم القبول، وفيه كما قال بعض المحققين: استعارة تمثيلية شبهت حالهم في النفقة وعدم قبولها بوجه من الوجوه بحال من يؤمر بفعل ليجربه فيظهر له عدم جدواه، فلا يتوهم أنه إذا أمر بالإنفاق كيف لا يقبل.
والآية نزلت كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما جوابًا عما في قول الجد بن قيس حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك في جلاد بني الأصفر؟ إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن لكن أعينك بمالي» ونفي التقبل يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذ منهم، ويحتمل أن يكون بمعنى عدم الإثابة عليه، وكل من المعنيين واقع في الاستعمال، فقبول الناس له أخذخ وقبول الله تعالى ثوابه عليه ويجوز الجمع بينهما، وقوله سبحانه: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فاسقين} تعليل لرد انفاقهم، والمراد بالفسق العتو التمرد فلا يقال: كيف علل مع الكفر بالفسق الذي هو دونه وكيف صح ذلك مع التصريح بتعليله بالكفر في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)}. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)}
ابتداء كلام هو جواب عن قول بعض المستأذنين منهم في التخلّف وأنا أعينك بمالي.
روي أنّ قائل ذلك هو الجدّ بن قيس، أحد بني سَلِمة، الذي نزل فيه قوله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} [التوبة: 49] كما تقدّم، وكان منافقا.
وكأنّهم قالوا ذلك مع شدّة شُحِّهم لأنّهم ظنّوا أنّ ذلك يرضي النبي صلى الله عليه وسلم عن قعودهم عن الجهاد.
وقوله: {طوعًا أو كرهًا} أي بمال تبذلونه عوضًا عن الغزو، أو بمال تنفقونه طوعًا مع خروجكم إلى الغزو، فقوله: {طوعًا} إدماج لتعميم أحوال الإنفاق في عدم القبول فإنّهم لا ينفقون إلاّ كرهًا لقوله تعالى بعد هذا: {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} [التوبة: 54].
والأمر في {أنفقوا} للتسوية أي: أنفقوا أو لا تنفقوا، كما دلّت عليه {أوْ} في قوله: {طوعًا أو كرهًا} وهو في معنى الخبر الشرطيّ لأنّه في قوة أن يقال: لن يتقبّل منكم إن أنفقتم طوعًا أو أنفقتم كَرهًا، ألا ترى أنّه قد يَجيء بعد أمثاله الشرطُ في معناه كقوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80].
والكَره أشدّ الإلزام، وبينه وبين الطوع مراتب تعلم إرادتها بالأوْلى، وانتصب {طوعًا أو كرهًا} على النيابة عن المفعول المطلق بتقدير: إنفاقَ طَوع أو إنفاقَ كَره.
ونائت فاعل يتقبّل: هو {منكم} أي لا يتقبّل منكم شيء وليس المقدّرُ الإنفاقَ المأخوذَ من {أنفقوا} بل المقصود العموم.
وجملة {إنكم كنتم قومًا فاسقين} في موضع العلّة لنفي التقبّل، ولذلك وقعت فيها (إنَّ) المفيدة لِمعنى فاء التعليل، لأنّ الكافر لا يتقبّل منه عمل البرّ.
والمراد بالفاسقين: الكافرون، ولذلك أعقب بقوله: {وما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلاّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله} [التوبة: 54].
وإنّما اختير وصف الفاسقين دون الكافرين لأنّهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فكانوا كالمائِلين عن الإسلام إلى الكفر.
والمقصود من هذا تأييسهم من الانتفاع بما بذلوه من أموالهم، فلعلّهم كانوا يحسبون أنّ الإنفاق في الغزو ينفعهم على تقدير صدق دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا من شكّهم في أمر الدين، فتوهّموا أنّهم يعملون أعمالًا تنفع المسلمين يجدونها عند الحشر على فرض ظهور صدق الرسول.
ويَبقون على دينهم فلا يتعرّضون للمهالك في الغزو ولا للمشاق، وهذا من سوء نظر أهل الضلالة كما حكى الله تعالى عن بعضهم: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدًا} [مريم: 77] إذْ حسب أنّه يحشر يوم البعث بحالته التي كان فيها في الحياة إذا صَدَق إخبار الرسول بالبعث. اهـ.

.قال الشعراوي:

{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)}
إذن: فشرط تقبُّل الله لأي عمل إنما يأتي بعد الإيمان بالله، أما أن تعمل وليس في بالك الله، فخذ أجرك ممن كان في بالك وأنت تعمل.
لذلك ضرب الله مثلًا بأعمال الذين كفروا في قوله تعالى: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَاءً حتى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} [النور: 39].
ويعطينا الله سبحانه مثلًا آخر في قوله تعالى: {مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد} [إبراهيم: 18].
ويقول الحق سبحانه وتعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20].
وهذا ما يشرح لنا ما استغلق على بعض العلماء فهمه في قول الحق: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8].
فقد تساءل بعض من العلماء: أيجزي الحق سبحانه هؤلاء الكفار في الآخرة أم في الدنيا؟ وقد استغلق عليهم الأمر لأن الآية عامة. ونقول: إن الحق يعطي في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا، ويعطي في الآخرة لمن عمل للدنيا والآخرة وفي قلبه الله. ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ الأسباب المخلوقة لله بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم. والذين يتقدمون دنيويًا في زراعة الأرض وانتقاء البذور والعناية بما يعطيهم الله جزاء عملهم في الدنيا، ولا يبخس منه شيئًا؛ ولكن الحق سبحانه يقول أيضًا: {وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان: 23].
هذا القول يوضح عطاء الآخرة، ولذلك فالخير الذي يعمله غير المؤمن لا يُجزى عليه في الآخرة؛ لأنه عَمِلَ وليس في باله الله، فكيف ينتظر جزاءه ممن لم يؤمن به؟
إن الله سبحانه يجزي مَنْ آمن به وعمل من أجله. ولكن من كفر بالله حبط كل عمله. وهذا أمر طبيعي؛ لأنك ما دُمْتَ قد عملت الخير وليس في بالك الله، فلا تنتظر جزاءً منه. إن عملتَ للإنسانية أعطتْك الإنسانية، وإن عملتَ للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل وأطلقوا اسمك على الميادين والشوارع، وأقيمت باسمك المؤسسات، وتحقق لك الخلود في الدنيا، وهذا هو جزاؤك. ولكن إن كنت مؤمنًا بالله، راجيًا ثوابه تجيء يوم القيامة لتجد يد الله ممدودة لك بالخير الذي قدمته.